كيف تكون جسرًا لا جدرًا
مؤخرًا كنت بأقرأ (فعليًا بأستمع في السيارة) لكتاب Supercommunicator للكاتب Charles Duhigg عن التواصل الفعال وكيفية التأثير على الأخرين. كثير من الحكايات والأبحاث الي أستند عليها الكاتب سردها كأنه قصة وهذه كما نعرف من أكثر الطرق الفعالة حتى تبقى القصة أو المعلومة مع الناس وتحرك مشاعرهم. وكثير من الأفكار الي سردها وليش يحصل سوء تفاهم أو أن يشعر البعض بأنه غير مسموع أو مفهوم بسبب غياب التواصل الي هو في تلك اللحظة يحتاجه. لو شخص بيتواصل معك على سبيل المثال ومضمون حديثه مشاعره وإحساسه، لن يستجيب للمنطق إذا حاورته والعكس صحيح.
فالكاتب كان يشجع على خلق فهم مشترك. هو لخصها بأنه هناك ثلاثة أنواع رئيسية من المحادثات:
- محادثات العاطفة: تُعالج المشاعر، القيم، والانطباعات.
- محادثات المنطق: تركز على الحقائق، البيانات، والأرقام.
- محادثات الهوية: تتعلق بكيف يرى الشخص نفسه أو يُقيّم ذاته.
كيف بنقول على محاثة ما أنها كانت جيدة؟
إذا كان طبيعة التواصل والتفاعل تتناسب مع النوع نفسه.
المبدأ هذا رجع تفكيري لأهمية وجود أرضية مشتركة وفكرني بالمرات الي شعرت صعب علي أكمل الحوار لضعف القواسم المشتركة مع الشخص الذي أمامي. كيف نتعامل مع هذا الشيء؟
مثال بسيط جدًا، كأكاديمية وباحثة، أستند بشكل كبير على المعلومات والممارسة المبنية على البراهين. يعني لمن أنصح بشيء، أضع في عين الحسابان قوة الدليل العلمي، تجربة الشخص المعني بالموضوع وأسلوب حياته بالإضافة إلى خبرتي العملية. لكن اللي يحصل بداخلي حين يخبرني شخصٌ ما: "فلان يقول" أو "شفت فيديو على الواتساب".. الحقيقة مهما حاول أكبت ردة فعلي العفوية، إلا ما يظهر تضجري واستيائي لأنه في تلك اللحظة أشهر بالفجوة بيني وبين السائل لأنه ليست بيننا أرضية مشتركة.
وجود أرضية مشتركة لا يعني "نتفق على نفس الفكرة"، بل يعني نفهم بعض من نفس الزاوية. لما نتكلم بلغة مختلفة (عاطفية، منطقية، أو هوية)، ممكن يكون الكلام واضح… لكن غير "واصِل". وهذا الي يخلق الشعور بالتضجر، التباعد، أو حتى الانفصال في الحوار.
لكن يهمني زيد مرونة تفكيري ومقدرتي على الإنصات بدون حكم من الأمور لذلك جلست أفكر.. كيف أستفيد وأخرج بوصفة تطبيقية بعد كل ما قرأته؟
هنا بعض الأفكار لكيف قررت أتعامل مع ضعف القواسم المشتركة:
- الاعتراف الداخلي بأن الفجوة موجودة، لكنها طبيعية: الشعور بالضيق نتيجة لغياب أرضية مشتركة طبيعي جدًا، خاصة عند أصحاب الخلفيات العلمية اللي يعتمدون على الأدلة والمنهجية. بس هذا الشعور ممكن يكون إشارة مفيدة: "أنا أحتاج أغير زاوية تواصلي، مو قيمي."
- التحوّل من "التصحيح" إلى "الاستكشاف": بدل ما نبدأ مباشرة بتفنيد ما قيل ("هذا غلط، هذا مو علمي")، ممكن نسأل: "إيش الشيئ الي بحاول يوصله فلان؟" أو"كيف حسّيت أنه ينطبق عليك؟"
هذا يفتح باب لفهم "النية" أو "المشاعر" وراء الكلام، ويمكن نكتشف أنهم يخوضون محادثة من نوع عاطفي أو هوية، مو منطقية الطريقة الي أنا أكون متعودة عليها.
3. إعادة بناء نقطة التقاء: ممكن نرد من منطلق مشترك. مثلًا: "أقدر إحساسك وأفهم ليش الفيديو شدك، بس تعرف؟ دائمًا أحب أشوف إذا في دراسات دعمت الفكرة، عشان أضمن إنها تنطبق على الكل، مو بس حالة واحدة." بكذا نحافظ على الاحترام، وتربط "مشاعره" أو "قناعاته" بأدواتك العلمية.
4. التمييز بين الشخص والفكرة: أحيانًا ردة فعلنا تكون قوية مو بس للفكرة بل لأننا نشعر بأن الطرف الآخر يستهين بطريقة تفكيرنا. بس مهم نذكر أنفسنا إن الناس ما تقصد الإساءة، بل غالبًا تتكلم بما هو مألوف لها فقط.
5. نفكر نفسنا بمرونة التواصل وليس التنازل عن القيم: التواصل مو معناه أننا نتخلى عن الأدلة أو المنهجية. بل هو أداة "جسر"، توصلك للي أمامك بطريقة يفهمها. كل ما كانت مرونتك أعلى، كل ما قدرت تنقل فكرتك بشكل أفضل.
ربما كمختص، الدليل العلمي لك قاطع وتؤمن به، لكن هل جربت تفكر بوجهة نظر الطرف الأخر؟
هل جربت ترى الأمر من زاويته وعالمه المختلف عنك؟
كل ما قدرنا نسدد ونقارب ونتعلم كيف نتواصل بشكل أفضل، كل ما كانت قدرتنا على التأثير أفضل.
التأثير لا يتحقق فقط بامتلاك المعرفة، بل بكيف نوصلها. فلنتعلم كيف نكون جسورًا لا جدرانًا.
التعليقات
لا يوجد أي تعليقات لعرضها.
تسجيل الدخولمقالات أخرى

لو كتبت كتاب، ماذا سيكون عنوانه؟
مؤخرًا بأفكر كثير في طبيعة المحتوى والكتابات التي شاركتها على مواقع التواصل الاجتماعي منذ فتحت حسابي على انستاجرام عام ٢٠١٦. يالله كيف الزمن عدى؟حاليًا باقرا كتاب لدكتورة برينيه براون عنوانه Dare
17/03/2025
مفهوم القيم في سياق الصحة
بعد انتهائي من قراءة كتاب Dare to Lead للدكتورة والباحثة Brené Brown، ظل مصطلح القيم الذي ركزت عليه جزءاً أساسياً مما بقي معي. القيم ليست فقط كلمة تُذكر في سياق التنمية الذا
17/01/2025
هل كل فرصة تستحق 'نعم'؟
حياتنا اليومية مليئة بالخيارات وعندما نفوض جزء من هذه الخيارات إلى "الروتين" يسهل علينا ويقلل من عبئ التفكير لأخذ قرارات مرات كثيرة خلال اليوم. لذلك ما استغرب لمن أقرأ أنه من صفات القائدين الناجحين: س
07/01/2025