الأداء الرياضي ورمضان
اثنين مليار مسلم… ومع ذلك
يصوم في رمضان ما يقارب 1.8 مليار مسلم حول العالم. من بين هؤلاء ملايين الرياضيين والرياضيات، من هواة إلى محترفين، يواجهون كل عام السؤال ذاته: كيف أحافظ على أدائي وأنا صائم؟
لو بحثت في قواعد البيانات العلمية عن دراسات تتعلق بالصيام والأداء الرياضي، كم ستجد؟ الرقم أقل مما يستحقه حجم هذه الظاهرة، وهذا وحده كافٍ لأن يُحفّز الباحثين على البحث في هذا الملف. ما نملكه اليوم قاعدة علمية جيدة، لكنها لا تزال تحتاج توسعًا كبيرًا في رياضات مختلفة، وسياقات مناخية متنوعة، وفئات عمرية لم تُدرس كفاية.
كيف يُغذّي الجسم نفسه في الحالة الطبيعية؟
قبل أن نفهم ما يحدث أثناء الصيام، من المفيد أن نفهم كيف يعمل الجسم حين يكون مُغذًّى. بعد الأكل يرتفع سكر الدم، فيُفرز الإنسولين، وتُخزَّن الكربوهيدرات الزائدة على شكل جليكوجين. في الكبد (نحو 80-100 جرام) وفي العضلات (400-500 جرام) *. هذه المخازن هي "خزان الوقود السريع" الذي يعتمد عليه الجسم عند الحركة والتمرين.
*ملاحظة: هذه أرقام تقريبية بناء على الدراسات وتختل بين الأفراد.
في حالة الراحة، الجسم يستخدم الدهون والكربوهيدرات معًا في كل لحظة. والدهون في الحقيقة هي المصدر الأكبر لإنتاج الطاقة (ATP) من حيث الحجم الكلي، إذ يُنتج الحمض الدهني الواحد طاقةً تفوق الجلوكوز بمراحل. المشكلة ليست في الكمية بل في السرعة: أكسدة الدهون أبطأ، وتستهلك أكسجينًا أكثر لإنتاج نفس الكمية من الطاقة. لهذا تتغير النسب حين ترتفع شدة التمرين؛ فعند المجهود العالي يكون الطلب على ATP أسرع مما تستطيع الدهون توفيره، فيتقدم الجليكوجين ليسد الفجوة. هذا ما يصفه نموذج Crossover Concept (Brooks & Mercier, 1994): ليس تحولًا من وقود إلى آخر، بل تغيرًا مستمرًا في النِّسب بحسب الشدة. ومن المهم توضيح أن المرونة الأيضية تختلف من شخص لآخر؛ فالرياضيون المدربون جيدًا في رياضات التحمل يستطيعون الاعتماد على الدهون بنسبة أعلى عند شدة أكبر مقارنةً بغيرهم.
هذا هو السياق الذي يجب أن نضعه في الاعتبار حين نتحدث عن ما يحدث للجسم أثناء الصيام.
الصيام في رمضان يمتد من الفجر حتى المغرب، أي ما بين 12 إلى 18 ساعة بحسب الموسم والموقع. خلال هذه الساعات، يُعيد الجسم توزيع مصادر طاقته بشكل تدريجي، وهنا تكمن النقطة التي يُساء فهمها كثيرًا.
الساعات الأولى: جليكوجين الكبد يبدأ بالتناقص لأن الكبد هو المسؤول عن الحفاظ على سكر الدم بين الوجبات. في المقابل، يبقى الجليكوجين العضلي محفوظًا إلى حد بعيد؛ العضلات لا تُطلق الجلوكوز للدم، بل تحتفظ به لاستخدامها الخاص.
بعد 6–10 ساعات: جليكوجين الكبد يتراجع بشكل ملحوظ، ويبدأ الجسم بإنتاج الجلوكوز من مصادر أخرى عبر عملية استحداث السكر(Gluconeogenesis)، مستخدمًا الجلسرين وبعض الأحماض الأمينية. في الوقت ذاته، ترتفع معدلات تكسير الدهون وأكسدتها كمصدر طاقة رئيسي.
بعد 12–16 ساعة: مخازن الجليكوجين الكبدي تكون في مستويات منخفضة، لكنها غالبًا لا تصل إلى “الصفر” عند الأفراد الأصحاء (خصوصًا إذا لم يمارسوا نشاطًا مكثفًا). ينخفض سكر الدم عادةً بشكل بسيط إلى معتدل مقارنة بالمستوى المعتاد (Chaouachi et al., 2009)، وهو انخفاض لا يُشكّل نقص سكر حقيقيًا في الشخص السليم، لكنه قد يكون كافيًا للتأثير على التمارين عالية الشدة—خصوصًا إذا ترافق مع الجفاف أو اضطراب النوم.
وتبقى نقطة جوهرية: الجليكوجين العضلي يظل محفوظًا نسبيًا طوال فترة الصيام في حالة الراحة، والذي يُفرغه هو التمرين نفسه لا الصيام وحده (Maughan et al., 2010; Leiper et al., 2008). يعني ذلك أن الرياضي الذي يتدرب بعد الإفطار لا يبدأ من “خزان فارغ”.
ما يحدث فعليًا هو أن الجسم يزيد اعتماده النسبي على الدهون تدريجيًا مع امتداد الصيام، خاصة في الراحة ومع الجهد منخفض إلى متوسط الشدة. هذا تحوّل موثّق، لكنه تدريجي ومرتبط بمدة الصيام وشدة النشاط وحالة التدريب، لا قطيعة مفاجئة.
التغذية للصيام مقابل التغذية أثناء الصيام
هنا يكمن قلب الموضوع عمليًا، وكثيرًا ما يُخلط بين مفهومين:
التغذية لدعم الصيام: ما تأكله في السحور هو الاستثمار الحقيقي. وجبة السحور الجيدة لا تمنع الجوع فقط، بل تؤثر مباشرة على مخازن الجليكوجين الكبدي، ومستوى الطاقة في ساعات الصيام، وقدرة الرياضي على التمرين لاحقًا. الأهم في السحور هو كمية الكربوهيدرات وتوزيعها ونوعها؛ غالبًا تُفضَّل كربوهيدرات منخفضة/متوسطة المؤشر الجلايسيمي مع ألياف وبروتين ودهون صحية لثبات الطاقة، ويمكن استخدام مصادر أعلى GI بشكل موجّه حسب توقيت التدريب واحتياج الرياضي (Burke & King, 2012; Png et al., 2014).
ما يحدث بيوكيميائيًا أثناء الصيام: الجسم لا ينتظر قراراتك الغذائية، بل يُدير موارده آليًا: يسحب من الكبد أولًا، يرفع أكسدة الدهون، ثم يستدعي استحداث السكر. فهم هذا التسلسل يُساعد الرياضي على اختيار توقيت تمريناته بذكاء، وعلى معرفة ماذا يفعل حين يُفطر.
ماذا تقول الدراسات عن الأداء الرياضي؟
النتائج تختلف حسب نوع الرياضة، شدة التدريب، المناخ، النوم، ومستوى الترطيب، لكن الصورة العامة تشير إلى أن الأداء عالي الشدة (اللاهوائي/التكرارات السريعة) هو الأكثر حساسية للصيام—خصوصًا عندما يتداخل معه الجفاف واضطراب النوم.
نوع الأداء | مقدار التغيّر(تقريبيًا) | المرجع |
السرعة القصوى (Sprint) | انخفاض 8-11% | Chaouachi et al., 2009 |
القوة العضلية | انخفاض 5-7% | Bouhlel et al., 2008 |
التحمل الهوائي (VO2max) | انخفاض 3-6% | Ramadan et al., 1999 |
اختبار Wingate اللاهوائي | انخفاض 10-15% | Chtourou et al., 2011 |
قوة القبضة (Handgrip) | انخفاض 3-5% | Karli et al., 2007 |
المرونة | تأثير ضئيل (0-2%) | Roky et al., 2000 |
الأداء اللاهوائي عالي الشدة هو الأكثر حساسية للصيام، وهذا منطقي بعد فهم كيفية استعمال الجسم للطاقة. هذا النوع يعتمد بشكل كبير على الجليكوجين والفوسفوكرياتين، كما يتأثر بانخفاض سكر الدم النسبي والجفاف المصاحب (Chtourou et al., 2012; Zerguini et al., 2007).
مراجعة Ghaffar et al. المنشورة عام 2025 في Clinical Nutrition ESPEN وجدت أن هذه التأثيرات ليست حتمية؛ فكثير منها يقل أو يكاد يختفي حين تُضبط التغذية والترطيب وتوقيت التمرين.
حرق الدهون كوقود ≠ خسارة الدهون
الأهم للرياضي: الصيام الطويل دون بروتين كافٍ قد يزيد اعتماد الجسم على استحداث السكر من مصادر غير كربوهيدراتية، وقد يضعف الحفاظ على الكتلة العضلية إذا لم تُضبط التغذية الليلية. الخلاصة التي تتفق عليها الدراسات: خسارة الدهون = عجز سعراتي + بروتين كافٍ + تمارين مقاومة، بصرف النظر عن توقيت الأكل.
حين يستخدم الجسم الدهون وقودًا أثناء الصيام، هذا لا يعني تلقائيًا أنك تخسر دهون الجسم. خسارة الدهون مرتبطة بعجز السعرات الكلي على مدار الـ 24 ساعة، لا بما يحدث في ساعات بعينها.
الحلول العملية
وفق الدراسات وحسب الهدف وكذلك إرشادات أسبيتار السريرية (2021)، الخيارات ثلاثة:
قبل الإفطار بـ 1–2 ساعة: مناسب للتمارين الخفيفة إلى المتوسطة والعمل التقني. التعويض الغذائي يأتي فورًا. التمارين عالية الشدة ممكنة هنا لكن بحجم أقل من المعتاد (تقليل الحجم/التكرارات بحسب الاستجابة الفردية).
بعد الإفطار بـ 2–3 ساعات: الأفضل للتمارين عالية الشدة. الجسم في حالة تغذية وترطيب، والجليكوجين في طريقه للتجديد. التأخر الكبير قد يؤثر على النوم.
بعد السحور بـ 2–3 ساعات: غير مُوصى به عمومًا؛ لأن التعافي سيكون بلا دعم غذائي أو مائي حتى الغروب.
الخلاصة
التخطيط الغذائي الصحيح، والترطيب الليلي، وتوقيت التمارين المناسب يمكن أن يقلل تأثير الصيام على الأداء بشكل كبير خلال رمضان.
إذا استفدت من هذا المقال، شاركه مع شخص مصر ينشر معلومات خاطئة لعله يساعد في رفع الوعي.
د. سندس ملائكة
@SundosMalaikah
المراجع العلمية
Ghaffar T, Ubaldi F, Valeriani F, Romano Spica V. (2025). A review of the impact of intermittent Ramadan fasting on wellbeing, nutrition and physical performance in different sports. Clin Nutr ESPEN. 67:585–598. https://doi.org/10.1016/j.clnesp.2025.03.052
Aspetar Clinical Guideline: Ramadan Fasting and Exercise for Healthy Individuals. (2021). Aspetar Orthopedic and Sports Medicine Hospital, Qatar.
Burke LM & King C. (2012). Ramadan fasting and the goals of sports nutrition around exercise. J Sports Sci. 30(S1):S21–31.
Maughan RJ et al. (2012). Achieving optimum sports performance during Ramadan: some practical recommendations. J Sports Sci. 30(S1):S109–117.
Maughan RJ et al. (2012). Hydration and performance during Ramadan. J Sports Sci. 30(S1):S33–41.
Maughan RJ, Fallah J, Coyle EF. (2010). The effects of fasting on metabolism and performance. Br J Sports Med. 44(7):490–494.
Chaouachi A et al. (2012). The effects of Ramadan intermittent fasting on athletic performance: recommendations for the maintenance of physical fitness. J Sports Sci. 30(S1):S53–73.
Chaouachi A, Leiper JB, Souissi N, Coutts AJ, Chamari K. (2009). Effects of Ramadan intermittent fasting on sports performance and training: a review. Int J Sports Physiol Perform. 4(4):419–434.
Kirkendall DT et al. (2012). Strategies for maintaining fitness and performance during Ramadan. J Sports Sci. 30(S1):S103–108.
Png W et al. (2014). Effects of ingesting low glycemic index carbohydrate food for the sahur meal. Int J Food Sci Nutr. 65(5):629–636.
Chtourou H et al. (2012). Effect of Ramadan fasting on physical performances, mood state and perceived exertion in young footballers. Asian J Sports Med. 2(3):177–185.
التعليقات
لا يوجد أي تعليقات لعرضها.
تسجيل الدخولمقالات أخرى

الفضول محرك التجربة
عندي كمّ فضولي عالي جدًا. أحب أفهم كيف تعمل الأشياء، لماذا نتصرف بطريقة معينة؟ كيف يفكر الآخرون؟ ماذا يحصل داخل الجسم وكيف نقيسه؟ ما وراء سلوك الإنسان؟ كيف تُبنى الأنظمة؟ هذا الفضول مو مجرد هواية، هو
03/10/2025
كيف تدعم الرياضي؟
توصلت معي أحد الجهات بخصوص تقديم خدمات التغذية الرياضية للفريق بأكمله. عادة ما تظن الإدارة أن طبيعة هذه الخدمات الاستشارية تعني أخذ القياسات للفريق، متابعة الوزن ونسبة الدهون، وكتابة جداول غذائية. هل
16/08/2025
كيف تكون جسرًا لا جدرًا
مؤخرًا كنت بأقرأ (فعليًا بأستمع في السيارة) لكتاب Supercommunicator للكاتب Charles Duhigg عن التواصل الفعال وكيفية التأثير على الأخرين. كثير من الحكايات والأبحاث الي أستند عليها ال
24/03/2025